الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
60
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ آل عمران : 18 ] . وشهد عليه ، أخبر عنه خبر المتثبت المتحقّق ، فلذلك قالوا : شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا أي أقررنا بإتيان الرّسل إلينا . ولا تنافي بين هذا الإقرار وبين إنكارهم الشّرك في قوله : إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] لاختلاف المخبر عنه في الآيتين . وفصلت جملة : قالُوا لأنّها جارية في طريقة المحاورة . وجملة وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا معطوفة على جملة : قالُوا شَهِدْنا باعتبار كون الأولى خبرا عن تبيّن الحقيقة لهم ، وعلمهم حينئذ أنّهم عصوا الرّسل ومن أرسلهم . وأعرضوا عن لقاء يومهم ذلك . فعلموا وعلم السّامع لخبرهم أنّهم ما وقعوا في هذه الربقة إلّا لأنّهم غرّتهم الحياة الدّنيا ، ولولا ذلك الغرور لما كان عملهم ممّا يرضاه العاقل لنفسه . والمراد بالحياة أحوالها الحاصلة لهم : من اللّهو ، والتّفاخر ، والكبر ، والعناد . والاستخفاف بالحقائق ، والاغترار بما لا ينفع في العاجل والآجل . والمقصود من هذا الخبر عنهم كشف حالهم ، وتحذير السّامعين من دوام التورّط في مثله . فإنّ حالهم سواء . وجملة : وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ معطوفة على جملة : وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وهو خبر مستعمل في التعجيب من حالهم ، وتخطئة رأيهم في الدّنيا . وسوء نظرهم في الآيات ، وإعراضهم عن التدبّر في العواقب . وقد رتّب هذا الخبر على الخبر الّذي قبله ، وهو اغترارهم بالحياة الدّنيا ، لأنّ ذلك الاغترار كان السبب في وقوعهم في هذه الحال حتّى استسلموا وشهدوا على أنفسهم أنّهم كانوا في الدّنيا كافرين باللّه ، فأمّا الإنس فلأنّهم أشركوا به وعبدوا الجنّ ، وأمّا الجنّ فلأنّهم أغروا الإنس بعبادتهم ووضعوا أنفسهم شركاء اللّه تعالى ، فكلا الفريقين من هؤلاء كافر ، وهذا مثل ما أخبر اللّه عنهم أو عن أمثالهم بمثل هذا الخبر التعجيبي في قوله : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ [ الملك : 10 ، 11 ] . فانظر كيف فرّع على قولهم أنّهم اعترفوا بذنبهم ، مع أنّ قولهم هو عين الاعتراف ، فلا يفرّع الشّيء عن نفسه ، ولكن أريد من الخبر التّعجيب من حالهم ، والتسميع بهم ، حين ألجئوا إلى الاعتراف في عاقبة الأمر . وشهادتهم على أنفسهم بالكفر كانت بعد التّمحيص والإلجاء ، فلا تنافي أنّهم أنكروا الكفر في أوّل أمر الحساب ، إذ قالوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . قال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عبّاس : « إنّي أجد أشياء تختلف عليّ قال اللّه : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [ النساء : 42 ] ، وقال : إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام :